بلا أمل
أي من أهل المخيم لم يكن يتوقع هذا الهجوم....
كتائب كاملة دهمت المكان...
اقتحموا كل ركن ،ذبحوا كل شخص،اعتدوا على كل امراة قبل قتلها ...رسمت الوحشية فى أبشع صورها لوحة اختلطت فيها الانقاض بالأشلاء...واكتست معالمها بلون الدماء..
والواقع أن الأمر لم يكن يستحق كل هذا الكم أمام المكان الخالى الا من لاجئين لا يعرفون معنى الحرب ..
ولم يكن ما حدث قتالا بأي مقياس ..بل قتلا ...فى لحظات حاق كل هذا بعائلته وجميع أهله ،وكادت عينا زياد تخوناه لتذرفا ما اختنقتا به من دموع عند هذه النقطة ..فلم تر النذر اليسير من الضوء الذى تسلل عبر النافذة الضيقة ، واجتمعت كافة هذه الذكريات على شكل غصة اختنق بها حلقه وذابت انفاسه فى لجة احزانه وصدره يضيق بها أكثر وأكثر ....
لكن صرخت اعماقه بأن كلا.....
لقد حاول أن يقاوم ..ودون أن يشعر وجد نفسه يهب بصدر متقد تلهبه دماء جميع من فقدهم والتى لم تبرد بعد لكن ضربة قوية اصابته ...
وسقط..
سقط وكل خلية من خلاياه تئن ألما ... وعلى الرغم من هذا لم يكن أكبر من آلام نفسه.......
وخيل إليه أن أرواح أهله وذويه انضمت اليه لتزيده قوة وحمية لتدفعه ناهضا من جديد .....لكنهم أحاطوا به ليجد نفسه هنا.......
لم يكن يعلم أن الصحفيين سيتمكنون من تجاوز حصارهم للمكان .......
لم يكن يعلم أنهم سيحاولون -مصدومين-عدم التأثر بالاشلاء التى افترشت الأرجاء فى صور هزت العالم أجمع....إلا أنه يعلم جيدا أن كل هذا سينتهى إلى لا شيء ،ما كان يرويه له والده عن الماضي يجعله يدرك أنه قد يثور العالم ...قد يغضب......الكثير من التصريحات والاتهامات والثورة ...لكن كل هذا يطويه النسيان .....
دماؤنا غاية ثمنها ينتهى إلى بعض من التعاطف ...والأسف......
وهنا طوق الثورة التى التهبت بها اعماقه إحساس مرير بالعجز..شعور بأنه يحاول أن يقبض على الهواء بأصابعه......
ولكن قطع سيل أفكاره بغتة الجنديان اللذان اندفعا إلى المكان وجالت نواظرهما فى صفحات الوجوه..حتى توقفت عند وجهه هو .ورغم الإضاءة الخافتة صدمتهم عيناه اللتان نفضتا كافة أحزا نهما لتقابلهما ببريق يحمل كل التحدي ..وكل الغضب....
وبدا أن هذا استفزهما بشدة،فاندفع الجنديان نحوه مباشرة،قبل أن ينتزعوه من مكانه ليتجهوا به خارجا......
حاول أن يستفز فى اعماقه مشاعر المقاومة من جديد ،لكنه أحس أن روحه الجريحة فقدت كل هذا ....فكبرياءه كان اكبر من أن يسبله على وجهه ..وحزنه اكبر من أن ينحسر عن اعماقه......
وأوقف الجنديان زياد الذي انتابته دهشة غاضبة مما رآه ...فقد رأى عربي آخر يهوى أرضا ،والجنود من حوله يطلقون ضحكات عالية....
وانعقد حاجبا الفتى فى شدة....
أيمكن أن يكون مصدر لهو لهؤلاء الأوغاد؟..
لكن قبل أن يستطرد فى أفكاره،رأى احدهم يلوح بيده فى سأم وهو يهتف بشيء ما....وأجابه جندي آخر مربتا على مدفعه ..وفهم الفتى وطافت بشفتيه ابتسامة مريرة ..إنهم يتشاجرون على من يقتلهم ،لكن الحديث استمر...وضاقت عينا زياد وهو يحاول استجلاء معنى الحوار الدائر....
إلا أن احدهم هتف بعبارة بدا أنها راقت لهم جميعا ليجدهم يدفعانه والعربي الآخر من جديد....ولم تكن المسافة بعيدة ...فما هي دقائق إلا وكانت نهاية المطاف،وبنظرة واحدة أدرك المصير الذي ادخروه له...
فقد كانت اللافتة تعلن أن هذا المكان هو ببساطة ....حقل ألغام...
وتذكر ما يعرفه عن حقل الألغام الذي يفصلهم عن الحدود اللبنانية ،ولأنه لن يفقد اكثر مما فقده..فقد رفع هامته ....وتقدم........
أما العربي الآخر فقد اخذ يصرخ ،قبل أن يندفع عقبه اثر الرصاصات التى أطلقوها فى الهواء تشيعه ضحكاتهم الساخرة..
وأخذ زياد يسير ويسير وهو يحس أن الطريق يمتد أمامه لما لا نهاية ...ورغم مشاعر الحزن واليأس التى غزت اعماقه إلا أنه ثمة شيء وحيد لم يفقده جعله يسير بمنتهى الحرص ..
إنها غريزة البقاء....
فكل خطوة تحمل الخطر ..وخلف كل ثغر يطل الموت...
وللحظات توقف ..
رفع رأسه ليتأمل القمر المكتمل ،واستعاد ذهنه خلالها ذكريات طفولته عندما كان والده الراحل يريحه على فخذه وهما يتطلعان إلى ذات المشهد ....
وانسابت كلمات الأخير إلى عقله حين كان يهمس اليه وقتها بكل شيء عن بلدته الأصلية فى أريحا .....وأشار لحظتها إلى القمر ليخبره باسما انه حتى اسم أريحا يعنى :ارض القمر...
حدثه عن مزارعها ...معالمها....شجرة الزيتون التى زرعها يوم مولده..وتحمل نفس عمره..وقتها فقط عرف معنى أن يكون لاجىء..
وحول زياد ناظريه إلى الأرض بقلب ممزق ..لكنه لم يجد أمامه الا الإستمرار فى المسير ..ومرت الثواني كالدهر ..الا أنها بكل الأحوال مرت ..
ولم يصدق زياد المعجزة عندما رأى جنود الحدود اللبنانيين...
لقد قطع عدة كيلومترات فى غابة الموت هذه..
والأدهى أن العربي الآخر نجح فى هذا أيضا ...ورأى زياد الأخير يستحث الخطى فأسرع هو أيضا ..
ولكن فجأة دوى الانفجار وطار جسد زياد بعيدا..
وتحرك حرس الحدود فى تخبط وهم يحاولون فعل شيء ..
وسال خيط من الدماء على وجه زياد والدنيا تدور أمام عينيه وهو يشعر بأن انفاسه تنسحب شيئا فشيئا..وكان الذهول هو القاسم المشترك بين الجميع من ثانية فصلت بين الحياة والموت....
ونقل زياد عينيه الغائمتين بين أشلاء العربي الآخر الذي سبقه إلى الموت بخطوة واحدة والجنود وهم يتحركون لإنقاذه ..لكنه حول بصره عن كل هذا إلى القمر الذي صحبه من بداية رحلته كلها وكأنما يبثه كل أشجانه وتطلع اليه وكأنما يسأله:
هل يأتي اليوم الذي يثأر فيه لكل من رحلوا؟!!!
هل يأتي اليوم الذي يعود فيه ليزرع لابنه شجرة زيتون جديدة؟!!..لكن حتى القمر توارى خلف غمامة ثقيلة وكأنما يخجل من عجزه عن إجابة هذه التساؤلات ...
توارى تاركا إياه هكذا بلا جواب...
وبلا أمل...
ى.أ .سعيد